بحث

العَقبات، مسارُ حَياتي..


العقبات لا تمنع المسار، بل هي طريق المسارات

العقبات لا تمنع المسار، بل هي طريقٌ للمسار نفسه."


اعتقدت بأن مفهوم "العرق البارد" كان غير واقعي ومتناقض حتى صباح ٣١ سبتمبر ٢٠١٨، يومي الأول بعد رجوعي من سفر دراسي مكثّف. كان ذلك حينها أول عرق بارد. بل أنها بداية للكثير من الأشياء.


حيث يعتبر العرق البارد أحد العلامات على الإجهاد المفاجئ والكبير، وقد يكون إجهادا جسديا أو نفسيا أو مزيجا من الاثنين.


قلبي مطروق في صدري.


نبضات قلبي تصرخ في أذني.


توسلت للهواء أن يدخل رئتاي، بينما تحاول أمي تهدئتي على الطرف الآخر من السرير في غرفتي.


كانت تهمس في أذني وتقول "إنها مجرد نوبة فزع، يا حبيبي. فقط تنفّس بعمق. "


لا ، لا ، لا ، فكرت حينها. الذعر لا يمكن أن يثير هذا النوع من المعناة الفسيولوجية. ذراعي تؤلمني، صدري يزعجني. كنت أقول "هل من الممكن أن أصاب بنوبة قلبية في سن كهذا!؟"


كان برفقتي أبن أخي "يعرب"، حيث كانت الوحدة تذبحني ولم أنم لأيام بعد ذلك. كنت أخشى أنني لن أستيقظ مجددًا.


بعدها، كل ليلة، كنت أضع جهازي الحبيب "الأيفون" على مسندي برفقة أحد الأصدقاء الذي يبقى معي عبر الواتساب طوال الليل بينما أحاول أن أنام حتى لا أشعر بمفرده. بقى صديقي الإلكتروني معي ثلاث ليال متتالية ولربما أكثر.


توقفت عن حضور الدروس والوظائف الاجتماعية واجتماعات مهمة وعملي لأيام.


حُملت إلى المستشفى عدة مرات وكان كل طبيب يقوم بمعاينتي يقول بأن أعضائي جميعها سليمة، وكنت قد انتابني شعور بأن الدكاترة جميعهم حمقى!


في ليلة من ليالي أكتوبر، قررت أن أستعين بأحد رجال الدين عن طريق أحد معارفي. وفعلًا ذهبت..


كان الصراخ والبكاء جليس هذا المكان المليء بدخان البخور واللبان. أخذوني إلى غرفة "المعلمة" وقامت تقرأ بعض الآيات مع كلمات دينية كنت قد لم أفهم بعضها، وطلبت مني أن أباشر بعلاج تقليدي لعدة أيام وفعلت.


لم اشعر بتحسن بشكل ملحوظ، ولكن بسبب القرآن والأدعية والكلمات الروحانية والرقية الشرعية، كنت أشعر بتحسن بعض الشي، ولكن ليس لدرجة أنني استطع النوم .


بعض التحاليل الطبية أثبتت بأنني تناولت بعضٍ من الأدوية أكثر من المعقول مما سببت لي بعض في مشاكل استقرار ضغط الدم وسيولته.


قررت حينها أن اسافر لبلاد مجاورة لعمل بعض التحاليل، وفي نفس الوقت أحاول أن اهرب من واقعي الذي كنت اعتبره تعيس لأتنفس هواء عليل. لعل هذا الشي يساعدني في أن أرى الشخص المرح الذي اعتدت أن أراه بداخلي. لعلي أرى أسامة القديم.


ألتقيت بأحد المختصين في الذب هناك وقال لي: "أخبرني قليلاً عما يحدث معك".


قلت له: "حسنا، ما زلت أشعر أنني لا أستطيع التنفس بعض الأحيان ولا أشعر برغبة في النوم، وأحيانًا يبدأ قلبي في ......."


أوقفني وقال:

"لا" ، توقف. "أخبرني ما يحدث معك. ليس جسدك".


نظرت إليه في حيرة لمدة عشر ثوان، وبدأت. أخبرته أن والدي قد توفي ورأيته في منامي مرات عدة يناديني ويحن لشوقه لي. أخبرته أنني أمر بحالة غير اعتيادية ويجب أن أعود إلى حياتي الطبيعية وعملي يحتاجني. أخبرته كيف أشعر بالحُزن ولا أعلم مصدره، وفقدان لا أعلم سببه، وشعرت بأنني أعيش وحدي على الجانب الآخر من الدنيا - بعيداً عن عاداتي المرحة - انها أسوأ فترة في حياتي. من يعرفني جيدًا سيرى الفرق.


ابتسم وأخبرني ما كنت اتلهف على سماعه لأشهر.


"أنت في حاجة إلى أن ترى الدنيا بمنظور إيجابي وأن تشكر الله على هذا الابتلاء البسيط عوضًا عن ما ابتلى به غيره. أنت بحاجة أن تؤمن بأن ما تمر عليه الآن هو مجرد عقبة تحاول أن توقف مسارك، ولكن عليك أن تجعلها هي مسارك."


وأعطاني بعض من الدواء ليساعدني على النوم بعض الشي.


دون جدال، خفضت رأسي شاكرًا له وعدت إلى غرفة نومي في أحد الفنادق متأملًا كلماته، أخذت الدواء وفي غضون دقائق، ذاب شهر من العذاب والإجهاد المرهق.


لسوء الحظ، بينما أخبرني طبيبي السابق المُلهم ما كنت أتوق لسماعه، شخّصني طبيب آخر أيضاً باضطراب القلق العام واضطراب الهلع والخوف. لا أدرك بتاتًا مصدر هذا الشي ولكنه حصل.


قررت وبكل عزم أن أتعايش مع ما هو عليه الآن وأن اترك كل شيء خلفي.


على الرغم من أنني عدت إلى العمل وحياتي إلا إني لازلت أتعامل مع حزني المجهول بشكل إيجابي، كان علي التعامل مع خوفي والهلع أولاً وأن أجد الحبوب المناسبة التي ستغير حالتي، أسميها الجرعة الحياتية الصحيحة وهي الإيجابية وتغيير روتين حياتي.


في ملل ليلة باردة من ليالي نوفمبر، بعد عدة أسابيع من رحلةُ حزني المضطربة، فتحت جهازي المحمول لا إراديًا وبدئت بكتابة أول مدونة لي بعنوان "قيمتك ريالين بس!؟" لا أعلم كيف كتبتها ولما، ولكن ما أذكره تمامًا بأن عقلي كان متمحور حول كلمات تحفيزية مثل "إلهام"، "تأمل" وغيرها.


قررت أن أنشي موقعي الخاص لأعد نفسي بأنني سوف أقوم بالكتابة مجددًا. شارك مدوناتي عبر صفحاتي ومع عائلتي وأصدقائي وتحمست أكثر حين كنت أنصت لرأيهم عن الموضوع الذي قمت بالكتابة عنه.


لم يكن الأمر كذلك حتى انتهى التأمل وفتحت عيني بأنني أدركت أن هناك دموعًا فيها. هذا ما لم تتمكن حبوب دكتوري من تحقيقه. تدفق حقيقي للحياة!


ما احتاجه هو أن أواجه حزني المجهول، لا أن أسكته وكتاباتي هذه خير مثال.


كنت بحاجة أيضًا إلى تجربة التأمل في مكان شعرت فيه بالأمان، وسرعان ما أصبح هذا المكان هو غرفة نومي المعتادة. التي كانت ملوثة بالحزن والقلق بسبب سلبيتي.


كنت أعتقد أن التأمل هو إسكات أفكارك ومشاعرك. سرعان ما أدركت أن التأمل هو مراجعة وملاحظة هذه الأفكار والعواطف، دون الشعور بالضيق والاضطراب في الالتفاف عليها.


كل يوم، أعطي من وقتي عشر دقائق للتأمل، لأحزن، لأبكي، لأصرخ وووووو.. منذ حينها، لم أعود إلى الوراء أبداً. حتى لذكرى وفاة حبيبي أبي، أستمر في التأمل يوميًا. لا أسأل نفسي ماذا وأين وكيف، بل لماذا. لماذا أكرمني الله بحب الأهل والأصدقاء وليس كيف!


كما دونت في مدونتي الأخير "الألم شريك حياتنا"، بأن الألم هو ما يجب أن نختاره سواء في البداية أو النهاية، ولكن لا محال منه.


بدأت في القبول. إن قبول هذا الألم والهلع كان جزءًا من رحلتي إلى السلام. قبول ذلك الحزن ليس شيئًا أعيش فيه، بل شيء أعيش معه.


قبول أن كل هذه الأشياء كانت هي المسار طوال الوقت، وليس الحواجز التي اعتقدت أنها توقفني.



تحياتي٬٬

أسامة السيفي

سناب، إنستا، تويتر: UsamaSaifi