بحث

الموت، بداية جديدة..


الموت هو وجهة نظرٍ حتمية يجب أن نتقبلها لا مُحالة


"كل ما في الكون له دورة مذهلة.. وأعظم مثال على ذلك ما توصل إليه العلماء عن دورة الموت والحياة، فالموت– كما يشرح العلماء- ضروري للحياة، لأن كل ميت يتحول إلى أحوال هي ذاتها التي تتكون منها حياة جديدة." رجب البنا


وقتها، كنت في أحد المدن العُمانية في الجنوب، في محاضرات وورشات عمل توعوية تهتم بالهوية التجارية وأهميتها في السوق العالمي. كان يومًا شاقًا بعد أسبوع مليء بالتعب والإرهاق والسفر من الشمال والجنوب. بدأت يومي بتفاؤل لإن اليوم الذي سيأتي بعد هو بداية عطلة نهاية الأسبوع التي لأجلها، قمت بعمل خطط لا تحصى للتفريج عن هم العمل والنوم لساعات طويلة لم أحلم بها قط.


لم أكن قريبًا بتاتًا من هاتفي منذ الصباح، وكنت أنتظر الساعة الخامسة مساءً بفارغ الصبر، الساعة التي أذهب فيها إلى المطار لألحق بطائرتي التي اعتبرتها جزء من بداية السعادة لأنها سوف تأخذني إلى غرفتي التي فارقتها لأيام.


يا له من شوق! شوق لم أعهده من قبل.


عادةً، نشعر بأن الشي المنتظر دائمًا يتأخر، ولكن في هذا اليوم، لم أشعر بالوقت إلى أن أتى موظف الاستقبال ليخبرني بأن السيارة التي ستأخذني إلى المطار جاهزة وحان موعد الذهاب. سُعدت بهذه اللحظة وقمت بأخذ قشي وهاتفي الذي لا أعلم أخباره منذ الصباح.


وأنا في السيارة، فوجئت بكثير من المكالمات الفائتة ورسائل في كل من الإنستجرام والتويتر والسناب وغيرها، رسائل تعزية لم أفهم مغزاها. بالنسبة لي، الواتساب هو التطبيق الذي لا أستقبل منه اشعارات بتاتًا حيث قمت بتعطيل هذه الميزة من عدة شهور لأنها تتسبب في بعض من الإلهاء وعدم التركيز. قمت بأول اتصال لإبن أخي وسألته عن الأحوال ردًا على مكالمته وأخبرني بوفاة عمي الجليل سيف بن شامس السيفي بعد صراع عدة سنين مع المرض الخبيث، أعاذنا الله وإياكم منه.


تذكرت وأنا أُلقي المحاضرة، سمعت بعض من الحضور يتحدثون عن وفاة أحد أصحاب أشهر مصنع للحلوى العُمانية وبسبب تركيزي على محتوى المحاضرة والوقت القصير، لم أنتبه لما يتحدثون حيث بانت مشاعر عدم الإفصاح والرغبة في التطرق في هذا الموضوع أمامي. مشاعر لم أنتبه لها إلى أن استقبل الخبر وقمت بالربط.


لم تكن عطلة أسبوع كما رسمتها، فبسبب بعدي عن مكان الدفن، لم أتمكن في المشاركة في تشييع جنازة عمي الجليل وذهبت للعزاء عوضًا عن ذلك.


أعتذر على كثر الوصف، ولكن المغزى هنا بأن في الآونة الأخيرة، كثير منا سمعنا عن حالات وفاة صدمتنا على المستوى الشخصي أو العائلي، تأتي في أوقات لا ندركها وتصدمنا. في كل حالة وفاة، استنتج أكثر بأن الحياة هي دورة والموت هو دورة أخرى. عندما نتأمل هذه الدورات في الكون –وهي دورة دائمة في كل ما في الحياة- عندئذ ندرك أوجه الشبه بينها وبين البعث بعد الموت وندرك المعنى المحقق لقوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) » (يس 78 و79)، وقوله عز وجل: «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ» (الروم19).


إذن تكبر مصيبة الموت بحب موتانا ليس بقدرهم أمام الناس وما كانوا يشغلونه في نطاق المجتمع، ولكن نحن ننسى دائمًا أنّ هناك عام آخر للموتى، فنهاية شخص هنا في عالمنا هذا هي بداية حياة جديدة له في عالم آخر تحت رحمة الخالق عزّ وجل. لهذا لا يُمكن أن يُعتبر الموت نهاية أبدية، بل نهاية لبداية أخرى. ولنتذكر أننا نحيا مرتين ونموت مرتين، وهذا ما نعلمه من ديننا الإسلام كمسلمين بإيماننا له.


الموت هو وجهة نظرٍ حتمية يجب أن نتقبلها لا مُحالة، ولنتقبل واقع أنّ الوفاة هي جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، ولكلّ شخصٍ نعمة عقل يُفكر بها لحياته وحياة من حوله، وأن يسن سنة حسنة في هذه الحياة لكي يخلده التاريخ والتراب والوطن.


نشتاق لموتانا.. أشتاق لأبي الحبيب.. أختي الحبيبة.. ابن أخي الغالي.. خالتي العزيزة.. والكثير والكثير.. ولكن، يجب أن نرسل أفكار المحبة للمفارقين وأن نسأل الله أن يمتعهم بالسلام والراحة. هذا يمكن أن نفعله بالتركيز العميق على النقطة ما بين الحاجبين وإرسال رسالة روحية إلى أحبائنا الراحلون، كما يجب أن نبعث بأفكار التشجيع والمحبة إليهم. وسيأتي اليوم الذي يجمع الله به شمل المحبين، وسنعرف عندئذ أن هذه الحياة البشرية ليست كل ما في الوجود، بل هي قد تكون مجرد حلقة في سلسلة العلاقة الأبدية التي لا تنقطع مع أصدقائنا وأحبتنا في هذه الحياة وما بعدها.


كلنا راحلون..


تحياتي٬٬

أسامة السيفي

سناب، إنستا، تويتر: UsamaSaifi