بحث

كيف لمهرج أن يبكي!؟

تم التحديث: ٤ ديسمبر ٢٠١٨



كثيرٌ منا يظن بأن المهرج الذي يؤدي الأعمال الكوميدية والذي يتخذ فيها أشكالاً غريبة لدافع الضحك، يعمل جاهدًا ليرسم الابتسامة والبهجة على وجوهنا ووجوه أطفالنا.. ويمتلك سعادة قد يحسدها البعض، ونقول: "كيف له هذه الحياة الجميلة ولنا العبس والحزن!؟ "


نعلم جيدًا بأن وظيفة الطبيب هي مجرد وسيلة بعثها الله لنا ليداوينا ويشفينا بإرادة الخالق عن طريق هذا الطبيب، ولكن هل يصبح الطبيب مريضاً!؟ وهل لسائق تاكسي أن يكون أحد ركّاب تاكسي آخر!؟ وهل القاضي يُقاضى!؟ وهل للمدرس أن يُدرّس!؟ وهل للمحاسب أن يحاسب!؟ وهل لحلاق أن يكون زبون حلاقٍ آخر!؟ وهل لمهرجٍ أن يبكي!؟ غريبةٌ حال هذه الدنيا!


قصتي على ذمة الكاتب الرائع "باولو كويلو".


في مدينة نابولي الإيطالية، حيث اُشتعلت فوانيس الضحك في هذه المدينة بسبب عروض مهرّج يسمي "كارلينا" المشهور. كانت عروضه مصدر لسعادة نابولي بأكملها لدرجة بأن كل من في المدينة يتضاربون لحجز المسرح لعرضه.


جاء رجلٌ إلى طبيب مشهور بخبرته في نابولي، يشكو إليه ضيقًا في الصدر وألم في الرأس. طلب الطبيب من المريض أن يجري يعض الفحوصات ليعرف سبب شكوته، وفعل. رجع هذا الرجل للطبيب بعد فحوصاته ليطّلع على النتائج وجلس مع الطبيب قائلًا: "يا دكتور البلدة، ارجوك أن تساعدني، فأنا في ضيق ألم مستمر لا أعلم مصدره".


قال له الطبيب: "من خلال التقارير، يبدو أنك لا تعاني من أي مرض عضوي ولا حتى جسماني، وعلى الأرجح، مشكلتك نفسانية لا أكثر".


تعجّب الرجل قائلًا: "وما علاج هذا يا طبيب!؟".


قال له: "يجب عليك أن تخرج إلى الدنيا، وأن تفعل أشياء جديدة. العلاج الأكثر كفاءة في وقتنا هذا هو أن تحضر أحد عروض المهرج "كارينا" الذي يجعل المتفرجين في المسرح يقفزون من كراسيهم من شدة الضحك. أنصحك أن تذهب لتشاهده، أنا كلي ثقة بأن نفسيتك ستتحسن!".


نظر المريض في عيني طبيبه، وقال بأسى وحزن: "أنا هو كارلينا أيها الطبيب!".


تعجّب الطبيب الذي عجز عن الكلام.. ولم يعد يقوى على مواجهته..


نتعلم من هذه القصة بأن ما نفعله ونمارسه بتكرار قد يكون هو ما ينقصنا، وما نكتبه قد يكون هو ما ينقصنا، وما نشاركه في صفحاتنا الاجتماعية هو ما ينقصنا كذلك وبلا شك. كلٌ منا بداخله كارينا لا نراه! ندعي السعادة أمام الآخرين، ونجهل كارينا الداخلي.


فالذي ينشر الحب في صفحاته، لا يعني بأنه أستاذ الحب، بل ينقصه الحب. حيث من يعيش في حبٍ حقيقي ليس لديه وقت لنشر حبه للأخرين!


والذي يقوم بتصوير لحظات السعادة قد يعيش لحظات نكد، لأن السعيد منشغل بسعادته!


باختصار، إذا أردت أن تدرك ما الذي ينقص فُلان، قم بمعرفة ما ينشره، فكما قال الكاتب أدهم في أحد منشوراته "الأشياء التي نملكها على مدار الساعة والمشاعر التي نعيشها على مدار الساعة، هي أشياء روتينية بالنسبة لنا ولا نكترث للإخبار عنها".


فلا تنخدعوا، الطبيب يمرض والمهرج يبكي والمدير يدار والمُعلم يُعلَّم والسائق يُساق.


وإن الذي لا يرى من الناس إلا ما يريدون له أن يراه، شخص أعمى!


وقالها الأستاذ الفاضل عقيل العجمي، ردًاعلى تغريدتي حول هذا الموضوع: "لا تحسبوا رقصاتي بينكم طرباً.. فالطير يرقصُ مذبوحا من الألمِ".


تحياتي٬٬

أسامة السيفي

سناب، إنستا، تويتر: UsamaSaifi