بحث

وهل للرد لون!؟


"هل هناك مفر من العنصرية!؟

كعادتي.. أَبْدَأُ كلماتي في مدوناتي بعنوان يجعلك تفكر بحيرة قبل الوصول للنص الرئيسي، وبدأتُ اليوم بعبارة "هل للرد لون!؟" لأطلعكم على بعض من فنون الرد على أسئلة عنصرية قد لا تتماشى مع تيار حياتنا اليومي، في الوقت الحالي..


لم أقرر كتابة هذه المدونة إلا حينما رأيت الناس تتحدث في مجلسٍ ما كنت جالس فيه عن العنصرية وكيف أنها باقية إلى الآن، رغم الوعي الثقافي المزدهر في البلد، وكذلك هو الحال في تويتر، حيث وجدت وسم (هاشتاج) متصدّر بعنوان #وش_لونك.


بدأتُ بتغريدة استطلاعية في نفس الوسم تحتوي على سؤال بات يراودني بعد تلك المفاجآت، ألا وهو "هل لا زلنا نعيش في عالم عنصري!؟ وهل لازال البعض منّا يتعرض للعنصرية!؟". وجدت حينها بأن أكثر من نصف الإجابات تقول بأننا لا زلنا نعيش في ذلك الزمن وحوالي ٢٠٪ يعانون منها.


مسكت ورقتي وبدأت بكتابة التالي...


تتوالى الروايات وكل يوم بشكل وباسم وبمعنى.. وقد تكون قصتي اليوم مجهولة المصدر، حيث قيل في بعض الروايات بأنها تعود للسياسي المناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والثوري الذي شغل منصب رئيس جنوب أفريقيا الراحل "نيلسون مانديلا"، بينما يأتي بطل قصتنا في اسطر روايات أخرى شخص آخر.. ولكن بالنسبةِ لي ولك، الهدف هو إيصال الفكرة بعبرة مهما كانت صحيحةُ المصدر..


يعتبر مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، حيث النزاع العرقي والعنصري بين الأقلية البيضاء والأكثرية السوداء شغل حيزاً كبيراً من تاريخ البلاد وسياساته منذ يومها الأول، وتمركزت غايته وحكومته على تفكيك إرث نظام الفصل العنصري من خلال التصدي للعنصرية المؤسساتية والفقر وعدم المساواة وتعزيز المصالحة العرقية. كان يدرس في أحد جامعات الحقوق، وكان "بيتر" استاذه، أبيض البشرة الذي لطالما كان عنصري يكره السود.


في يومٍ من الأيام الدراسية، كان الأستاذ بيتر يتناول وجبة غدائه في قاعة طعام الجامعة وأقبل مانديلا حاملاً صحنهُ وجلس بالقرب منه كون مانديلا كما نعلم بأنه رجلٌ اجتماعي مسالم يحب الاختلاط مع الناس ليستفيد ويُفيد. وحين جلس، تبعثرت كلمات الأستاذ العنصري وقال له وبكل جرأة: "شكلك ما تفهم بأن الطير والخنزير ما ياكلوا مع بعض في الطاولة". لم يستغرب مانديلا من كلامه لأن العنصرية بأنها قد طغت في تلك البلاد، ورد بكل سعة صدر وهدوء: "لا تحاتي ولا تشيل هم، راح أطير بعيد عندك!".


قوية يا مانديلا.. ذهب مانديلا لطاولةٍ أخرى وبانت علامات الغضب في وجه الأستاذ الذي تمت "قصف جبهته".


وبعدها، وفي محاضرة الأستاذ بيتر، كان الأستاذ يوزّع ورقات الاختبار وحين اقترابه من مانديلا، سأل الأستاذ بيتر مانديلا وقال له: "لو كنت انته تمشي في الشارع وحصلت كيسين، واحد فيه فلوس والثاني حكمة، فأيش راح تختار!؟"، قال مانديلا وبدون تردد: "راح آخذ الكيس اللي فيه فلوس، بلا شك"، ابتسم الأستاذ بيتر وبصخرية قال له: "دوك حالته ذا! لو مكانك كنت بختار الحكمة". وبكل برودة أعصاب وثقه، قال مانديلا للأستاذ: "كل حد يأخذ اللي يحتاجه!!!".


أصبح للأستاذ بيتر هدفٌ واحد، وهو الانتقام من هذا الرجل بشتى أنواع الطرق، فعند تصحيحه لورقة اختبار مانديلا، كتب في ورقته كلمة "غبي"، وأعطاها له. اخذ مانديلا ورقة الاختبار وحاول أن يبقى هادئاً جالساً على طاولته، كالهدوء ما قبل العاصفة أو ما نسميها محليًا " ما قبل القصف". بعد بضع دقائق، وقف مانديلا واتجه نحو الأستاذ قال له بنبرةٍ مهذبة: "استاذي الكريم.. شكلك وقّعت ع الورقة ونسيت تحط النتيجة".


استسلم الأستاذ لمانديلا ويقال بأنه قد غيّر وجهة نظره بعد كمية "القصف" الهائل والأسلوب الذي كان يستخدمه بطلنا مانديلا.

ما نتعلمه من هذه القصة كثير، والأهم هو فن الرد على الإهانة حين نُهان. عندما نهان نحن البشر، نحاول تبرير موقفنا بأي عذرٍ تافه. ما يجب أن نفعله عندما أن لا نأخذ الإهانة بشكل شخصي، بل نعتبرها ككرة قدم، رُميت لنا، والفن الحقيقي يكمن حين نقوم برمي هذه الكرة في ملعب الشخص الذي رماها بالأول باستراتيجية مطلقة وبحكمة ليس من دواعي الشجار.


من أسرار وفنون الرد، بأن لا تتعامل مع الإهانة بأنها إهانة، لأنك لو أخذتها من هذا المنطلق، ستبرر نفسك وموقفك وستكون الحلقة الأضعف. بل قم بمنعه من الانتصار بذكاء كما فعل بطلنا. قد لا يكون سهلًا بأن نقبل الإهانة، بل يجب أن نؤمن بأننا يجب أن تثق بنفسك وتقول "أنا إنسان مكتمل بشريًا، وخلقني الله في أحسن تقويم". أن مشيت على القاعدة، سوف لن تجد من ينال منك وستهزم خصمك مهما كانت وقاحته وعنصريته بعبارة مطبوخة بفن الرد والثقة. تعوّد على هذا التمرين، وسيتبرمج عقلك عليه.


التحدي في الحياة مهم وحافز جيد للنجاح في طموحاتك لكن ليس على حساب الآخرين. ليس من التحدي ولا الأخلاق الاستهانة بالآخرين والتقليل من شأنهم وحرمانهم من الاحترام الذي يستحقونه.


فقد قالها المولى عز وجل: "قَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ".


شارك هذه المدونة مع من تحب وقد تساعد أشخاصًا بإن يدكروا أهمية الثقة بالنفس واحترام البشر مهما كانت لون بشرته أو مكانته.


تحياتي٬٬

أسامة السيفي

سناب، إنستا، تويتر: UsamaSaifi